|
لم يكن رجال الدين
والعلم والاجتماع والسياسة بمعزل عن التطورات المتعددة في حياة
الشعوب، هذه التطورات بجانبيها السلبي والإيجابي، فما يصادفه
الإنسان في حياته إزاء متغيرات الحياة الاجتماعية كبير وهائل، رغم
أن الفتح الجديد في العلوم وحرية البحث وتنوع الثورات الفكرية
والاجتماعية، أعطت الإنسان ميزات ولكنها سلبته أخرى. ومن أخطر
المسائل التي تواجه إنساننا المعاصر في التاريخ الحديث مسألة قسوة
الحياة وتشعبها رغم ما وصلت إليه من آليات وأساليب للبحث جديرة
بالاهتمام.. إننا إزاء مشكلة تعد من أخطر المشاكل، عرضها السابقون
في الفلسفات والأديان غير السماوية بالإضافة إلى أن الأديان
السماوية تعرّضت لذكرها ونظّرت لها وأعطتها ما تستحقه من اهتمام
وعرضت في علاجها أنجع الحلول، وتراوح دعاتها من فلاسفة وعلماء
ورجال دين ممن تفقهوا في هذا الجانب الأهم في حياة البشرية جمعاء
منذ فجرها الأول.
إن البحث الحالي، هو محاولة
اجتهادية لعرض أفكار أحد رواد مبدأ اللاعنف في تاريخنا المعاصر،
وهو الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي، أحد الدعاة لهذا المبدأ،
استطعنا أن نضع هذه الأفكار للإمام الشيرازي في طريقة منهج البحث
العلمي الأكاديمي،وهي محاولة جمعت الرؤية الدينية -الإسلامية
المتفتحة على أفق النبع الإنساني المتنوع قديماً وحديثاً،وهي مهمة
فكرية تصدى لها مركز الإمام الشيرازي للبحوث والدراسات، عُدت من
بواكير إنتاجه الفكري-التطبيقي لنقل الفكر الإسلامي إلى أبعد حدود
ممكنة.
إن الإسلام يشكل حضارة عبر
التاريخ، ويضع النظم بكل أشكالها لهذه الحضارة، وأخذ ينشر المفاهيم
والشرائع التي تدعو البشرية إلى المحبة والسلام وإيقاظ الوعي
الإنساني من خلالها،ومن تلك: المساواة والعدل والمسامحة، والمسالمة
ونبذ العنف، وانتهاج مبدأ اللاعنف.
إن الإسلام، دين السلام، يؤمن
إيماناً مطلقاً به، وبآلياته وأساليبه بين البشرية، رغم أن الهجمة
التي استهدفت نهجه كانت منذ بداية دعوة النبي محمد (صلى الله عليه
وآله وسلم) في الجزيرة العربية، تأخذ عدة أشكال ومختلف الادعاءات،
رغم أن صراحة الكتاب في قول الحق جاءت في النص القرآني، فقول الله
تعالى:(ادخلوا في السلم كافة)،
(سورة البقرة: الآية 208) دليل على ذلك، فالإسلام دين السلم لا
العنف،و هو دين السلام، ولما كان دين السلام، فإنه يرفض العنف بكل
أشكاله ويدعو إلى المسالمة واللاعنف، فقول الإمام الشيرازي، يحرّم
الإسلام الغدر والاغتيال والإرعاب وكل ما يسمى اليوم بالعنف
والإرهاب، فإنه لا عنف في الإسلام، ولا يجوز أي نوع من أعمال العنف
والإرهاب الذي يوجب إيذاء الناس وإرعابهم، والغدر بهم وبحياتهم، أو
يؤدي إلى تشويه سمعة الإسلام والمسلمي(1).
إن الإنسانية في تطورها تقف
اليوم على مفترق طرق في تكوينها الحضاري رغم التطورات والإبداعات
الإنسانية المتعددة في كل المجالات، وهي في الحقيقة أزمة تقييم،
وإعادة صياغة للرؤية الإنسانية إزاء أعمال العنف المصاحبة لهذا
النمو المطّرد في البناء والتواصل الإنساني، هذه الأزمة العالمية
تتمحور في أخطر مفاصل الإنسانية واستمرارها، في سيادة سلوك العنف
والقسوة، وما يسمى اليوم بمصطلح الإرهاب، الذي حولت دفعاته
الغريزية الفردية، إلى التجمعات الإنسانية عبر سياقها الاجتماعي،
فكانت أزمة الحضارة المعاصرة في سلوك القسوة بكل أشكالها.
هذه المشكلة لا تحل إذا لم تتم
إعادة صياغتها من جديد برؤى جديدة وإتجاهات تنطلق من الفكر الديني
الإسلامي كأحد روافد النبع الإنساني، فالإسلام يشيع المناخ السلمي
عبر النص القرآني في عدد من المستويات، كالدعوة المتكررة إلى
انتهاج سياسة اللاعنف في التعامل الاجتماعي والفردي والاقتصادي
والسياسي، والبيئي (عنف الإنسان ضد البيئة) ونبذ سياسة الحروب
والعنف المنظم ضد الإنسان والبيئة.. والقرآن يدعو إلى حوار عقلي
حضاري للمشكلات الإنسانية المتعددة.. وأهمها في عالمنا الحاضر،
مشكلة العنف بكل أشكاله.. ويطرح بديله مبدأ اللاعنف.
دراستنا الحالية هي منهج علمي
في البحث الأكاديمي القائم على النظرة الإسلامية في التعامل مع هذه
الظاهرة، العنف، واستبداله إلى مبدأ اللاعنف، على وفق منهج الإمام
محمد الحسيني الشيرازي -المرجع الديني- الذي انطلق في رؤيته من:
- القرآن الكريم.
- السنة النبوية الشريفة.
- ما جاء به آل بيت الرسول(ص).
- الاجتهاد.
- ما أبدعه من قضايا ومسائل
فقهية معاصرة.
إننا إزاء دعوة إنسانية نحو
العالمية في انتهاج مبدأ اللاعنف المطلق، بكل آلياته أساليبه،
ومكوناته في الرؤية والتطبيق، وهو فتح علمي جديد لجعل المسلمات
الأساسية في الفكر الإسلامي، حقيقة ميدانية واقعة عبر التعامل في
السلوك اليومي المعاش، والحياة الاجتماعية لجميع البشر.
1-الإمام محمد
الحسيني الشيرازي، كتاب النظافة، هيئة محمد الأمين 6
(2000م) ص300.
|