نعيش في زمان تكاد تكون واقعية التكافل الاجتماعي او فرص تحقيقها شبه معدومة بين المجتمع الواحد، والأسباب التي أدت الى هذا الحرمان كثيرة، يشخص الامام السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) أبرزها في قوله: "ان الاهواء النفسانية من جهة، والسياسة الاستعمارية غربية وشرقية من جهة أخرى، جعلت كثيراً من المسلمين يعرضون عن قوانين الله، ويتكالبون على الدنيا وملذاتها"، نعم ما أصاب المجتمع الإسلامي من سلبية واحباط نفسي نتيجة الابتعاد عن القيم والمبادئ السماوية بطابعها الإنساني، ومحاولة تطبيق قيم وعادات واعراف اجتماعية دخيلة جاءت بفعل التأثير الثقافي الغربي ولعوامل أخرى عديدة، وهذا ما أدى في نهاية المطاف الى تراجع قيم التقدم، وفي مقدمتها قيمة التكافل الاجتماعي، في مجتمعاتنا الإسلامية كنتيجة لما تقدم، وبالتالي الحرمان من فرصة بناء مجتمعات حية متحدة تعيش حالة الجسد الواحد.

ان انعدام فرص التكافل الاجتماعي تسببت في تعطيل ملايين الحاجات عن الوصول الى مستحقيها كما يراها الامام الشيرازي، صغيرة كانت ام كبيرة، فالبحار والمحيطات تتشكل من قطرات، وقد أدى هذا التعطيل الى نتائج عكسية أدت الى تراجع هذه المجتمعات وانعدام فرص تقدمها نحو الامام، إضافة الى ما ولدتها هذه الحاجات المعطلة من مشاكل كبيرة سببت ضغط متواصل على المنظومة الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والخدمية داخل المجتمع.

ويحدد السيد الشيرازي أبرز ما تعانيه المجتمعات كنتيجة لانحسار التكافل الاجتماعي بين الافراد داخل المجتمع الواحد من جهة وبين المجتمعات الإنسانية من جهة أخرى منها:

1. ازدياد نسب العاطلين عن العمل نتيجة تقلص موارد الكسب، وتعقد شروطه، وكثرة قيوده، كما ان الاستئثار بالموارد والارباح وجعلها بيد القلة على حساب الأكثرية الساحقة حد من وجود مجتمعات تعيش حالة من التوازن الحقيقي كنتيجة لوجود قيم التكافل الاجتماعي.

2. أصبح الكثير من الناس دون سكن لائق او مأوى يحفظ كرامتهم الإنسانية، فبرزت الى الواجهة العشوائيات ومدن الصفيح وغيرها.

3. "فقد الدواء او قل، او ارتفعت قيمته"، وهي من السلبيات الاجتماعية التي تودي بحياة ملايين البشر كل عام، نتيجة لانعدام فرص التكافل الاجتماعي بين البشر، خصوصاً في الوقت الحالي وكنتيجة لزيادة معدلات التلوث البيئي وأسلوب الحياة العصري "غير الصحي"، ويلاحظ الفرق الواسع بين المجتمعات الغنية والمتطورة والمجتمعات الفقيرة في كميات الادوية او توفير الادوية المنقذة للحياة.

4. قلت نسب الزواج بصورة ملحوظة، وانتشرت العزوبية بشكل كبير بما تحمله من سلبيات أخلاقية واجتماعية، وبالتالي لا يمكن بسهولة ردم هذه الثغرة الأخلاقية وما ستسببه من نتائج مستقبلية من دون وجود تكافل اجتماعي حقيقي يضمن الشباب من الوقوع في المحظورات.

5. "بقيت كثير من الخدمات العامة متوقفة، أمثال: تعبيد الطرق، وتوفير شبكات الري والكهرباء والماء، وكذلك مخازن المياه على الخصوص في القرى والارياف، وتشجير البلاد، وغير ذلك كالمعامل والمصانع وشبهها".

ان المشاركة في خلق فرص التكافل الاجتماعي تعتمد بشكلها الأساسي على الجهد الاجتماعي الخالص، وما يقدمه الافراد والجماعات والمؤسسات الخيرية، بعيداً عن أي جهد حكومي او تدخل رسمي، لان ما تقدمه الدولة ومؤسساتها محدود الموارد، وتشوبها الكثير من النواقص، إضافة الى شبه الفساد، والروتين الإداري القاتل، إذا ما قورن بالحالة الاجتماعية العامة للتكافل الجمعي التي لا تعرف الحدود الزمانية والمكانية، ولا توجد فرص حقيقية يمكن الاستثمار فيها من اجل طرح مفهوم التكافل الاجتماعي وتطبيقه على ارض الواقع أفضل من الاستثمار في المعاني السامية والقيم والمبادئ التي قدمتها زيارة نهضة الطف الخالدة ومغذياتها في زيارة الأربعين وما قبلها وما بعدها في تجسيد كل قيم الخير والتقدم، وشحن الهمم واستنهاض كوامن الانسان الخيرة في تقديم الأفضل للإنسانية جمعاء.

يقول الامام محمد الشيرازي: "فاذا استثمرت المجالس الحسينية باعتبارها تثير الكوامن العاطفية في النفس، وبما تحمل من التوجيه العقلي المؤثر في تغيير السلوك الإنساني، في قضاء حوائج الناس، وفي التراحم والتواد، وإنجاز الخدمات الفردية والعامة، لقضيت ملايين الحاجات كل عام".

لكنه شرط المشاركة الفاعلة لثلاث مساهمين رئيسيين في المجتمع من اجل نجاح تجربة التكافل الاجتماعي خلال هذه الفترة التي يتهيآ فيها المجتمع قلبياً وعقلياً وبدنياً للمشاركة في عملية التكافل الاجتماعي وهم:

1. الخطيب: بتوجيه الناس وارشادهم الى أهمية التكافل الاجتماعي، والى اعمال الخير، وذكر القصص المشوقة، وسرد الآيات والروايات على ذلك، يقول الامام الحسين (عليه السلام): "واعلموا ان حوائج الناس اليكم من نعم الله عليكم، فلا تملوا النعم فتحور نقماً".

2. هيئة امينة ومخلصة تتشكل في كل مسجد وحسينية ومدرسة...الخ، وتنبثق من كل مجلس حسيني، لجمع التبرعات وقضاء حوائج الناس وفق سلم الأولويات.

3. مساهمة الناس الخيرين والتجار الأثرياء في التبرع والتمويل، يقول الامام الحسين (عليه السلام): "مالك ان لم يكن لك كنت له منفقاً فلا تبقه بعدك فيكون ذخيره لغيرك، وتكون انت المطالب به والمأخوذ بحسابه، واعلم إنك لا تبقى له ولا يبقى لك، فكله قبل ان يأكلك".

ان الاستفادة من هذه الفرص العظيمة يمكن ان تحقق الكثير من الإيجابيات على المدى القصير، ولا يتطلب الامر سوى القليل من التنظيم والصبر حتى يقطف ثمار العمل في سد النواقص والحاجات، المادية والمعنوية، التي يعاني منها الافراد داخل المجتمع، كما ان النجاح في تحقيق هذه الخطوة يمكن ان يقدم الامل للأخرين في تعميم هذه التجربة بأسلوبها وطريقتها الحسينية الفريدة، لإنقاذ المجتمعات الإنسانية من تحكم المادية وتركيز الثروات بيد القلة ومنع السواد من التمتع بالحياة والعيش بكرامة.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2021http://shrsc.com

التعليقات