ان ظاهرة انهيار وتفكك الدول هي من بين الموضوعات التي لم تحظ باهتمام كافٍ من قبل الباحثين، وهناك ضرورة بالغة الاهمية الى التعرف على ماهية تلك الظاهرة والعوامل والاسباب التي تؤدي اليها، كونها تمثل احدى وسائل معالجة اسباب فشل الدول، والحيلولة دون وصولها الى مرحلة الانهيار.

ان تحديد اسباب فشل الدولة وانهيارها لا يمكن قياسه وفقاً لعامل محدد، وإنما هو نتيجة تراكم جملة من العوامل والمسببات التي تدفع باتجاه فشل الدولة وانهيارها في مرحلة ما، وهنا يمكن القول ان أحد اسباب انهيار الدولة هو فشل قياداتها في ان تحدد الفكر والمنهج الصحيح في عملية التغيير نحو غاياتها المرجوة، وعدم مراجعة التجارب التاريخية السابقة التي بذلتها الامم للخروج من أزماتها، وعدم مراجعة وتقويم تلك التجارب تقويماً دقيقاً وأميناً وموضوعياً، إذ ان بداية كل نهوض يبدأ من الفكر والمنهج كونه المقدمة الصحيحة لكل عمل، وهو شرط للخروج بالإمة من ازماتها.

وهنا لا بد من الاشارة إلى ان المجتمعات والشعوب كما اثبتت التجارب التاريخية هي من تساهم في استمرارية الحاكم المستبد الفاشل، وتخضع له ولقراراته، وان هذا الحاكم المستبد سرعان ما يبدأ بإعادة إنتاج نفسه بانه المنقذ وان تغيرت مفردات خطابه. فالقيادات السياسية عندما تصل الى السلطة تتجه نحو توظيف السلطة وادواتها، بما يخدم مصالحها، وتتجه نحو اخذ الناس بالقوة، ولا يكون للمشاركة في مستقبل الدولة مجال او نصيب إلا ظاهرياً فقط، وهو ما يؤدي الى الانحسار والتراجع الحضاري في الكيان النفسي والفكري للفرد وفي المؤسسات والنظم كافة.

ان انهيار الدول، وعلى خلاف التجارب التاريخية السابقة، أصبح في عالم اليوم لا ينبثق من الحدود الإصطناعية او الأخطاء الإستعمارية او الإستغلال الإستعماري، مع عدم تجاهل تلك العوامل، بل ان انهيار الدول ومن خلال دراسة تجارب الدول المنهارة او شبه المنهارة اصبحت متجذرة في داخل جسد ومؤسسات الدولة ومجتمعاتها. فكل دولة تصل الى حافة الانهيار نجدها تمر في مرحلة صعبة جداً من تاريخ وجودها، تتسم بالتمزق والتفكك وضياع الهوية وانهيار المؤسسات، والعجز عن الخروج من حالة التيًه التي تتردى فيها، وعدم قدرتها على رد المخاطر والاطماع الخارجية نتيجة لضعفها وتراجعها.

وهنا يمكن القول ان عدم الاستقرار والعنف الداخلي وسيادة الظلم والقهر الاجتماعي بكافة عناوينه، وغياب العدالة والمساواة، وشيوع التطرف والتعصب، وعدم تلبية المطالب المشروعة للشعوب، من قبل الانظمة السياسية بمختلف انواعها، هي أحد عوامل انهيار الدولة مع مرور الوقت، اذ انه سيؤدي الى توقف الدولة عن أداء دورها السياسي الايجابي الذي يعود بالمنفعة على شعوبها، وهو ما ينتج عنه فقدان الحكومات المتعاقبة لمصداقيتها امام شعوبها، وتصبح عملية استمرارها موضع شك، وفاقدة للشرعية في نظر مواطنيها.

فضلاً عن ان غياب التخطيط والرؤية الاقتصادية، وضعف اغلب القيادات الادارية في الدولة، واعتماد الدولة على نظام اقتصادي ريعي يعتمد النفط مثلاً، كمصدر رئيس للدخل القومي، وانهيار القطاعات الاخرى. الى جانب إتساع حجم الفساد وتشابك حلقاته وترابط آلياته، وممارساته في نواحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والادارية، مع عدم إغفال خطورة اعتماد النظام السياسي على اُسس بعيدة عن المفاهيم الوطنية عبر إتخاذه للمحاصصة الطائفية والتوافقية كوسيلة لتسلم السلطة، وهي من المسائل التي أصبحت تهدد وجود الدولة، وتشكل عاملاً لإنهيارها في المستقبل.

ولعل ما تقدم، يمكن ان يتجسد في العراق كدولة تعيش اليوم أزمات متداخلة ومركبة في الوقت ذاته، أزمة أخلاق وقيم، ترافقها ازمات سياسية واقتصادية، وإدارية ومالية واجتماعية، وهي تشكل بمجملها عومل تهدد وجود الدولة العراقية ككيان.

ان معالجة موضوعية لكيفية تجنب انهيار الدول، يدفع نحو التأكيد على حقيقة ان لكل دولة تكوينها الخاص بها في قيمها وعقائدها ومفاهيمها، ولها دوافعها وتاريخها، شأنها في ذلك شأن مكونات بني الانسان، فاذا لم يتم التعامل معها عبر فهم تلك الجوانب، ومن خلال تلك المكونات فانه من الصعب تحريك مكامن القوة والكفاح والبناء فيها، وسوف تصبح عرضة للتراجع والضعف وربما الانهيار في مرحلة لاحقة من تاريخها.

ومن ثم وفي سبيل تجاوز حالة التراجع والضعف في الدولة، والحيلولة دون انهيارها، فهناك ضرورة لنشر مبادئ العدل والمساواة والتسامح، والترويج لقيم الاعتدال والوسطية في المجتمع، ودورها في وضع الاسس والمفاهيم الصحيحة لتطور المجتمع وفقاً لنهج الاعتدال في الفكر والممارسة، وبعيداً عن الشعارات والمثاليات التي قد تعمق من الخلاف والتناقض بين افراد المجتمع.

فضلاً عن اهمية ايجاد نظام سياسي منسجم ومستقر، يعتمد الهوية والمصلحة الوطنية بدلاً عن الهويات والمصالح الفرعية الاخرى، والابتعاد عن المحاصصة السياسية والديمقراطية التوافقية، الى جانب اتباع سياسات اقتصادية مدروسة وخطط للتنمية الاقتصادية وبما يتناسب مع الأهداف الوطنية لحماية الاقتصاد الوطني من التهديدات أو الهزات الاقتصادية المصطنعة، التي تشكل عائقاً أمام التطور الاقتصادي وتعد عقبة رئيسة تعيق عملية الإصلاح الاقتصادي وتحقيق التنمية المنشودة.

وهنا تبرز اهمية تنويع مصادر الدخل القومي وعدم الاعتماد على قطاع ريعي فحسب كقطاع النفط، لأن النفط بضاعة تخضع لتقلبات السوق العالمية والسياسات الاقتصادية لدول العالم المختلفة، ومن ثم فهو مصدر غير مضمون وغير ثابت، ويشكل خطراً على البلاد واستقرارها، مما يعرض مؤسسات الدولة وسياساتها وخططها المستقبلية للخطر، فضلاً عن ضرورة بناء مقومات القوة العسكرية للدولة، وبما يحقق استقرارها السياسي والاقتصادي والأمني.

* مداخلة مقدمة الى حلقة النقاش التي عقدها مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث تحت عنوان: الوقوف على حافة الهاوية.. كيف تنهار الدول؟

التعليقات